الشيخ محمد هادي معرفة

71

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

إبهام ؛ إذ يبدو أنّه تهديد بأُولئك الحائدين عن جادّة الحقّ ، أن سوف يُجازَون بحيلولة بينهم وبين أنفسهم . والسؤال : كيف هذه الحيلولة ، وما وجه كونها عقوبة متقابلة مع نبذ أحكام الشريعة ؟ وللإجابة على هذا السؤال وقع اختلاف عنيف بين أهل الجبر وأصحاب القول بالاختيار ، كما تناوشها كلّ من الأشاعرة وأهل الاعتزال ، كلّ يجرّ النار إلى قُرصه ، كما اختلف أرباب التفسير على وجوه أوردناها في الجزء الثالث من التمهيد ، عند الكلام عن المتشابهات ، ضمن آيات الهداية والضلال برقم ( 80 ) . * * * والذي رجّحناه في تأويل الآية ، هو معنى غير ما ذكره جُلّ المفسِّرين ، استفدناه من مواضع من القرآن نفسه : إنّ هذه الحيلولة كناية عن إماتة القلب ، فلا يعي شيئا بعد فقد الحياة . لا تُعجِبَنَّ الجَهولَ حُلَّتُه * فذاك مَيتٌ وَثَوبُه الكَفَنُ الإسلام دعوة إلى الحياة ، وفي رفضها رفض للحياة ، تلك الحياة المنبعثة عن إدراكات نبيلة ، والملهمة للإنسان شعورا فيّاضا يسعد به في الحياة ، ويُحظى بكرامته الإنسانيّة العليا . أمّا إذا عاكس فطرته وأطاح بحظّه ، فإنّه سوف يشقى في الحياة ، ولم يزل يسعى في ظلمات غيّه وجهله « اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ » « 1 » . فالإنسان التائه في ظلمات غيّه قد فقد شعوره ، وافتقد كرامته العليا في الحياة ، فهذا قد نسي نفسه وذُهل عن كونه إنسانا ، يحسب من نفسه موجودا ذا حياة بهيميّة سفلى ، إنّما يسعى وراء نهمه وشبع بطنه ، لا هدف له في الحياة سواه . وهذا التسافل في الحياة كانت نتيجة تساهله بشأن نفسه وإهمال جانب كرامته ،

--> ( 1 ) - . البقرة 257 : 2 .